|
حكاية القطن في سورية
القطن قديماً : في تاريخ الكنعانيين (الذين سماهم اليونان بالفينيقيين وهم ثاني جماعة سامية لعبت دوراً هاماً في تاريخ سورية بعد الأمويين ) يأتي ذكر صناعة الغزل والنسيج على أنها من الصناعات الاعتيادية في المنزل ، وقد وجدت آثار مغازل من الحجر والعظم وأثقال من الحجر والطين تستخدم لأجل الأنوال وترجع إلى أوائل الألف الثالث .
ولاشك أن الصوف كان أقدم المنسوجات .وتذكر وثائق نوزي من حوالي 1500 ق .م ، الصوف الكنعاني ، أما القطن الذي كان بالأصل من نبات الهند فقد أدخله سنحاريب إلى بلاد آشور، حيث يشير في إحدى الكتابات الأثرية إلى الأشجار التي تحمل صوفاً والتي كان رجاله يقطعونها ويسرحونها لعمل الملابس ولم يكن القطن شيئاً معتاداً في تلك الأيام ، كما وأدخل الفينيقيون هذه المادة إلى العالم اليوناني في أوائل العصر الهلنستي ومعها اسمها السامي . وكان من الممكن أن تنتشر زراعة القطن في سورية لولا أن الإمبراطورية الرومانية كانت بحاجة إلى القمح السوري وأن الصوف كان متوفراً بكثرة .
ولم تنتشر زراعة القطن في سورية إلا عن طريق العرب لأن العرب ولو أنهم لم يزرعوا القطن في بلادهم إلا أنهم عملوا على انتشار زراعته في مختلف بقاع العالم فنشروا زراعته عقب الفتح الإسلامي لهذه البلاد .
ويذكر مؤرخو العرب انتشار صناعة غزل القطن في مناطق مختلفة من سورية ولا سيما في المناطق الغربية من حلب على ضفاف نهر الخابور ، كما ذكروا انتشار صناعة غزل القطن ونسجه في كثير من المدن العربية في تلك العهود .
ويصف ابن حوقل البغدادي سنة 331 هـ (932م ) نهر الخابور ومدينة عرابات عليه فيقول :« وهي مدينة لطيفة كثيرة الأقطان ونبات القطن يُحمل منها إلى الشام وغيرها» .
ويحكي أبي فاطمة في كتابه "الجغرافية " المؤلف سنة 1335 م أن مدينة إعزاز كانت مشهورة في زمنه بزراعة القطن الذي يرسل إلى سبته الأندلس ، كما ذكر ياقوت الحموي الذي كانت رحلاته بين أعوام 1179 و 1229 م في صدر معجمه المعروف « أن الله خص حلب بالبركة وفضلها على جميع البلاد وأنه يزرع في أرضها القطن والسمسم وإن كان عدياً ومع ذلك يجنى غضاً روياً يفوق ما يسقى بالمياه ».
وهكذا فإن زراعة القطن لم تكن مزدهرة بسورية فقط ، بل إن صناعة غزله ونسجه ازدهرت في البلاد أيضا ، ولكن لما غزا المغول هذه المناطق صحب غزوهم اضطرا بات وقلاقل كانت عاملا لاضمحلال زراعة القطن في البلاد ، وبقيت زراعته مركزة على نطاق ضيق في بعض مناطق غرب حلب .
وقد ذكر الرحالة الدكتور رسل الذي قام برحلة في الشرق الأوسط عام 1754 م في كتابه أن القطن يزرع في بعض حدائق حلب للزينة كما يزرع كمحصول في مناطق غرب حلب .
هذا وإن أول مرجع شرح زراعة القطن في سورية بالتفصيل هو للمؤرخ ابن العوام، إلا أن الأصل العربي لهذا المرجع غير موجود وقد ترجمه أحد العلماء الفرنسيين دولا ستيري في كتابه " القطن وزراعته " في عام 1808 حيث نقل عن ابن العوام مايلي :
« أن سكان سورية تعودوا على تحضير أرض القطن قبل سنة من زراعتها ،فهم لذلك يلجأون إلى تسميدها بسماد متحلل جيداً وينقونها من النباتات الغريبة ، وبعد أن تتم خدمتها جيداً تقسم إلى أحواض وتسقى جيداً . ثم تعمل بها جور عمقها سلامية ونصف وتوضع في كل حفرة من ( 2- 3 ) بذور وعلى مسافة شبر ونصف .
وعندما يصل طول النبات إلى شبر يعزق ، ويُستمر في سقاية القطن كلما احتاج لذلك والسقايات تتوالى حسب تقرير عبد الله بن الفاضل مرة كل خمسة عشر يوماً حتى ابتداء شهر آب في الوقت الذي تتكون فيه الجوزات ، ثم يفطم القطن بعد ذلك ويمنع عنه الري حتى يتعرض للجفاف ولا يميل نحو النمو الخضري وبذلك يعطي محصولاً مجزياً
أما إذا كان النمو الخضري غزيراً فأن رؤوس النباتات تقطع حتى لا يضيع العصير النباتي سدىً ، وعلى العكس فهو يتركز ويجعل النبات يحمل الثمار ويزيد في كميتها.ويتم الجني في شهر أيلول عندما يبدأ الجوز بالتفتح وينفش منه القطن .
يجب قطف القطن عند الصباح الباكر وذلك بكامل الجوز مع القشور عندما تكون رطبة قليلاً وتوضع تحت شجرة لكي تحتفظ برطوبتها بعيداً عن الشمس ثم ينزع القطن من الجوز بالأيدي ، ويجب إجراء العملية بكل عناية لكي لا يبقى جزء من القشور مع القطن ثم يعرض بعد ذلك للشمس كي يجف ومن ثم يؤخذ للحفظ ».
القطن منذ مطلع القرن العشرين : كان المشهد القطني غير واضح ، ففي الفترة الواقعة ما بين 1900 و 1912 لم يتجاوز إنتاج القطن الـــ 1500 طناً ، وكان أول الأصناف التي أُدخلت إلى سورية بشكل اقتصادي هو «لونستار » الاميركي عام 1923 وذلك إلى جانب الأصناف المزروعة الأُخرى : البلدي – يرلي – القبرصي .
إلا أن زراعة القطن بدأت بالاستقرار والتوسع الفعلي في عام 1950 ، فقد قفزت المساحات المزروعة قطناً بشكل كبير ، وبذلك تزايد الإنتاج بشكل متتابع . هذا وإن عام 1951 يعتبر نقطة البداية في أبحاث القطن ، لذا يمكن اعتبار 1950 / 1951 كأساس للمقارنة وتبيين مراحل تطور القطن السوري .
في الفترة السابقة . تعثر الإنتاج مابين زيادة ونقصان وذلك بسبب الثورات الداخلية التي نشبت في البلاد ، والوضع السياسي العالمي الذي دار حول الحرب العالمي الثانية . ففي عام 1937 بلغت المساحة المزروعة 30491 هكتاراً أي ما يعادل خمسا مساحة سنة الأساس ( 78000 هكتاراً ) . وهذه المساحة أعطت محصولاً وقدره 5004 طن قطن محلوج . أما في موسم 1951/ 1952 فقد قفزت المساحة لتصبح 217400 هكتاراً أي ما يعادل سبعة أضعاف رقم 1937 ، وثلاثة أضعاف مساحة الأساس . وتعزى تلك الزيادة إلى الحرب الكورية، إلا أن الزيادة في المساحة لم يقابلها زيادة في الإنتاج نظراً لانتشار الإصابة بديدان اللوز على نطاق واسع في المناطق المزروعة .
لقد كان المردود في الأعوام التي سبقت 1948 متدنياً ، والأسباب متعددة كنقص الخبرة ، وعدم جودة الأصناف المزروعة ، وانعدام الجهاز الفني الإرشادي لدى الدولة .ففي عام 1937 لم يكن المردود ليتجاوز الــ 164 كغ قطن محلوج / هكتاراً ، حتى انه تدنى في عام 1940 ليصل إلى 109 كغ .إلا أن المردود ، بدءاً من موسم 1949 /1950 ، سجل ارتفاعاً هائلاً أوصله إلى 527 كغ/هكتار ، ثم تتالت الفرص الكفيلة بإفساح المجال أمام التطور ، فقد بوشر بتجارب القطن وأبحاثه في عام 1951 ، وتأسس مكتب القطن بحلب في العام الذي يليه . وتوسع الجهاز الفني في وزارة الزراعة ، وتأسست الوحدات الإرشادية المدعمة بالمهندسين الزراعيين والفنيين المساعدين ومنذ ذلك الحين جعل مردود القطن يتصاعد حتى وصل إلى 629 كغ قطن محلوج / هكتار في موسم 1971 / 1972 ، وهذا يعني أن المردود قد تضاعف ثلاث مرات عما كان عليه الأمر في موسم 1937 /1938 .
صناعة الغزل والنسيج أيضاً .......
لقد كان أمراً طبيعياً أن يستتبع التطور في الزراعة تطور في صناعة القطن وتجارته وتأسس أول مصنع للغزل والنسيج في عام 1933 بمدينة حلب ، تلاه مصنع آخر في عام 1937 بمدينة دمشق ، والمصنعان كانا مزودين بمغازل ومناسج أوتوماتيكية . ثم انتشرت بعد ذلك صناعة الغزل والنسيج في القطر بعد أن أصبحت الجمهورية العربية السورية إحدى البلدان المنتجة اقتصادياً للقطن في العالم .ويعتبر عام 1968 ، مرحلة متقدمة في التنظيم الصناعي للقطن ، فقد أُحدث « اتحاد صناعات الغزل والنسيج » ليتولى الإشراف على شركات الغزل والنسيج المؤممة ويعمل على تطوير هذه المنشآت وتنميتها وتطويرها وتنسيق فعاليتها وتنظيم أعمالها وفق خطة علمية موحدة وضمن إطار الخطة الاقتصادية العامة للدولة . وكمنجزات أخيرة لهذا التنظيم فقد تأسس معمل الغزل الرفيع في حماه لعام 1971 حيث ينتج الغزول الرفيعة .( 30192 مغزل فعلي ) .
وصناعات أُخرى .....
ومن الصناعات الأُخرى التي تعتمد بصورة رئيسية على القطن ، صناعة الزيوت النباتية والصابون والصباغة . ويبلغ عدد الشركات التي تنتج الزيوت النباتية والصابون خمس شركات بلغ متوسط إنتاجها من الزيت لموسم 1971 /1972 كمية 30 ألف طن ، ومن الكسبة 115 ألف طن ومن اللنت 20 ألف طن ومن قشر البذرة 40 ألف طن .
وماذا عن تجارة القطن ........
لقد تطورت التجارة . وتضاعفت صادرات القطن المحلوج الخام . ففي موسم 1971 /1972 تم تصدير 122 ألف طن بينما كان الرقم 28 ألف طن موسم سنة الأساس 1950/1951 أي أن الصادرات تضاعفت أربع مرات . كما وان صادرات الغزول حققت تزايداً كبيراً . ففي عام 1970 تم تصدير 2159 طناً ، بينما كان الرقم 367 طناً في عام 1965 ، أي أن الغزول المصدرة تضاعفت خلال تلك الفترة ست مرات فقط .
ولمزيد من الأهمية ....
يشكل القطن مورداً أساسيا من موارد القطع النادر اللازم للتنمية ، حيث بلغ وسطي مساهمة القطن في واردات القطر من القطع النادر في الفترة الممتدة مابين عامي 1966 و 1970مقدار 311 مليون ليرة سورية ، وكما أن القطن هو أبرز مشارك في قائمة الصادرات السورية ، حيث بلغ وسطي نسبة صادرات القطن إلى مجموع الصادرات الأُخرى لنفس الفترة السابقة مقدار 44.5 % .
ونظراً لأن القطن يؤمن تشغيل عدد كبير من السكان في المجالات الزراعية والصناعية والتجارية ، فإنه يشكل ثروة قومية أساسية لا يُستهان بها ولهذا وذاك فقد قامت الدولة بإحداث الهيئة العامة لحلج وتسويق الأقطان ( 8/ 6/1965 ) وأُنيطت بها مسؤولية شراء القطن المحبوب من المزارعين ، وتخزينه ، وحلجه ، وتصديره ، وبيعه محلياً ، والتخطيط له علمياً من أجل الوصول به إلى القمة الاقتصادية المرجوة له ،وهكذا حَصرت الدولة نشاطات تجارة القطن بمؤسسة واحدة وذلك من أجل توحيد وتركيز الجهود لتحقيق الغرض .
أُممت المحالج ، وأدارت الهيئة العامة تلك المحالج بروح شابة ومعاصرة ، تحرر الفلاح – المزارع من شباك السمسرة والاحتكار ، إذ لجأت أجهزة الهيئة العامة إلى أُسس ثابتة ومحددة في فرز الأقطان المحبوبة المستلمة ، والى أسهل الطرق في دفع قيم تلك الأقطان لأصحابها دون تأخير .
وهكذا بدأت جهود الهيئة العامة لحلج وتسويق الأقطان تنمو بفضل استمرار المزارعين في بذل جهودهم لزيادة الإنتاج ، نوعاً وكماً ، وهذا ناجم أصلا عن السياسة السعرية المرنة التي طبقتها الهيئة العامة لمواجهة احتياجات المزارع من تكاليف إنتاجه وفائض ربح عادل ومقنع .
|